ورقة استشرافية عن المستقبل السياسي لموريتانيا

تمر موريتانيا حاليا بلحظة فارقة في تاريخها السياسي تبلدت فيها كثير من القواعد التي استقرت عليها المنظومة السياسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة سواء في شكلها الحزبي أو المجتمعي، وتبدو معالم أخرى لهذه المنظومة في طور التبدل.

من هنا فإن استشراف المستقبل السياسي ينبغي أن يتجه إلى محاولة التعرف على الطريقة التي سيكون عليها بناء المنظومة الجديدة سواء منها ما تغير بشكل كلي أو ما هو مهيأ للتغير.

 

 وسعيا إلى استشراف المستقبل السياسي للبلد نرصد (مارس 2021) جملة من التغيرات أفرزتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي يمكن القول إنها بداية المرحلة التي تحدثنا عنها، كما نعرض لجملة تطورات محتملة سيكون لها تأثير قوي في الشكل الذي ستستقر عليها المنظومة السياسية مستقبلا.

أولا: متغيرات مؤثرة

من أبرز المتغيرات التي طرأت على المنظومة السياسية:

  1. تآكل المعارضة التقليدية باستثناء الإسلاميين وبروز رموز جدد للمعارضة بخلفيات فئوية، وهو ما كشفته النتيجة الهزيلة التي حصل المرشح الرئاسي محمد ولد مولود رغم أنه مدعوم من حزبين من أحزاب المعارضة التقليدية كان لهما دور كبير في تاريخ المعارضة، وبالمقابل حصل المرشح الرئاسي بيرام ولد الداه على المركز الثاني مدعوما بخطابه الحقوقي المنافح عن الحراطين كما حصل المرشح كان حاميدو بابا على المركز الرابع بسبب توحد قوى زنجية عديدة خلفه.

 

  1. انتقال مركز السلطة من الشمال إلى الشرق بصورة كبيرة، مثل الرئاسة وقيادات الجيش: (وزير الدفاع وقائد الجيوش "ينتمي للشرق بالمعنى الواسع" والقائد المساعد، قائد المخابرات العسكرية، وقائد القوات الخاصة، قائد الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية، قائد أركان الجيش البري، قائد الأركان البحرية) قيادات الأمن (المدير العام للأمن الوطني، مدير أمن الدولة، مدير أمن الطرق) الحزب الحاكم، رئاسة اتحاد أرباب العمل.

 

 

  1. بروز معارضة شبه جهوية تتمركز حول الرئيس السابق ورئيس الجمعية الوطنية (ولد بايه) وهذا المتغير نتيجة طبيعية للمتغيرين الأول والثالث، حيث أدى الخلاف مع الرئيس السابق إلى استبعاد بعض المقربين منه (قائد الأركان السابق مثلا) وتقريب عناصر يجمعها الانتماء الجهوي مع الرئيس الحالي (مدير أمن الدولة مثلا) ومع أن هذه المعارضة لم تتبلور بشكل ظاهر إلا أن بعض المؤشرات عليها أصبحت تظهر بين الفينة والأخرى ومنها مثلا تصريح النائب عن الحزب الحاكم محمد ولد عليه عن تهميش أبناء الشمال (جاء هذا التصريح أثناء نقاش عرض الوزير الأول لبرنامج حكومته لسنة 2021 في يناير الماضي)

 

ثانيا: محددات محتملة

وبخصوص الأحداث المتوقعة والملفات الضاغطة التي سيكون لكل منها دوره في ترجيح مسارات المستقبل فلعل أبرزها:

أ: معالجة ملف التحقيق في تسيير النظام السابق: قاد التحقيق الذي قامت به اللجنة البرلمانية في تسيير عدد من الملفات الاقتصادية خلال حكم الرئيس السابق إلى كشف تورط العشرات من معاونيه ومقربيه في كثير من ملفات الفساد في الصفقات ومنح الأراضي بطرق غير قانونية، وتعد إحالة الملف إلى القضاء سابقة في تاريخ البلاد ستؤثر تداعياتها على الشأن السياسي مستقبلا حسب الطريقة التي ستسلكها الحكومة في التعامل معه

فإذا اتبعت طريقة معالجة قانونية تنطلق من محاسبة الفاسدين تركز على استرداد الأموال المنهوبة وخلق بيئة رادعة عن الفساد مستقبلا فمن شأن ذلك أن يرشد الحياة السياسية ويعزز فرص التحول الديمقراطي

أما إذا تبنت معالجة سياسية تركز على إضعاف قدرة الرئيس السابق على الفعل السياسي فمن شأن ذلك أن يولد إحباطا شعبيا وانتعاشا لسيناريو بقاء الوضع على ما كان عليه.

أما إذا ظهر أن المعالجة ذات طبيعة انتقامية تركز على شخص الرئيس السابق بإصدار أحكام ضده وحده فمن شأن ذلك أن يفتح احتمالات الامتعاض القبلي والجهوي وما قد يقود إليه من تدهور الوضع السياسي في البلد.

وغير بعيد من هذا الملف هناك الملفات التي فتحت في المجال المصرفي مثل ملف تزوير العملة الصعبة في البنك المركزي ومثل ملف إفلاس بنك موريتانيا الجديد، فالظاهر أن هذه الملفات ماهي إلا رأس خيط من انهيار المنظومة المالية والإدارية في البلد الذي سببه التسيير الكارثي أيام الرئيس السابق، وأنها مظهر من مظاهر تدافع مختلف الأطراف التي شاركت فيه بطريقة أو بأخرى للمسؤولية

وبناء على ذلك فإن كيفية إدارة النظام لهذا الصراع الخفي ستلقي بظلالها على مجمل علاقات القوى النافذة ماليا واجتماعيا وسياسيا.

ب: ملف الإشكالات الاجتماعية: ظلت الإشكالات الناجمة عن التعدد العرقي والفئوي والتاريخ المرتبط بهما إحدى أقوى المؤثرات في الوضع السياسي في البلد، وقد ورث النظام الحالي هذه الإشكالات في مرحلة فارقة من تطورها سواء من الناحية السياسية (توحد قوى زنجية عديدة على مرشح رئاسي واحد، ووصول أحد أقوى زعامات الحراطين راديكالية إلى المرتبة الثانية في انتخابات رئاسية يشارك فيها مجمل الطيف السياسي) أو الناحية الاقتصادية (بروز ملف الخلاف على الأراضي العقارية بقوة) أو الحقوقي (عودة ملف الإرث الإنساني بقوة من خلال تجمع أرامل وأبناء الضحايا)

من هنا سيكون للطريقة التي يتعامل بها النظام الحالي مع هذه الإشكالات تأثير مستقبلي قوي

فإذا مال النظام لأسلوب التجاهل وكسب الوقت في هذه القضايا فستكون انعكاسات ذلك زيادة انكفاء المجموعات الزنجية على نفسها واتجاه الأجيال الشابة فيها إلى الطرح الراديكالي، أما في مجموعات الحراطين فسيكون اتجاهها للعمل على تحويل وزنها الديمغرافي إلى قوة سياسية تستفيد من التجربة الديمقراطية

 

أما إذا كان اتجاه النظام إلى حل هذه القضايا من خلال التفاوض فإن من شأن ذلك أن يقود إلى إحدى نتيجتين مختلفتين: إما أن يتمكن من دفع الأطراف المختلفة إلى حل وسط من شأنه تعزيز فرص السلم الأهلي أو أن تتصلب الأطراف الراديكالية في القوى المطالبة بحقوق المكونات وفي الدولة العميقة على رؤاها الحدية وهو ما سيخلق مزيدا من التأزم وربما سعي أطراف في النظام للانقلاب.

ج: ملف ترتيب البيت الداخلي للنظام: اعتمد النظام السابق طريقة في ترتيب البيت الداخلي للمجموعة الحاكمة قائمة على الاعتماد على الأجنحة العسكرية والإدارية أكثر من الجناح السياسي، كما يعكسه مكانة كل من قائد الأركان والوزير الأول على حساب رئيس الحزب الحاكم

أما النظام الحالي فلم يظهر حتى الآن الطريقة التي سيتبع وربما يكون سبب ذلك أنه جاء في ظل انقسام حاد في هذه المجموعة سببه سعي الرئيس السابق للبقاء في المشهد السياسي

وتزداد أهمية ترتيب البيت الداخلي للنظام إذا استحضرنا أن الالتزام بتحديد المأموريات يفرض التحضير لخليفة الرئيس، وأن أوجها عديدة من النظام الحالي تطمح إلى هذه المكانة

ومن هنا يبرز تأثير طريقة بناء النظام على مستقبل البلد فإذا سعى الرئيس إلى الاعتماد على الجيش فسيكون لذلك تأثير على ضعف التحول الديمقراطي فضلا عما سيطرحه من بروز تنافس داخل الجيش على مكانة الرجل الثاني، وتزداد احتمالية هذا التنافس وحدته إذا استحضرنا أن الجيل القيادي في الجيش حاليا على أبواب التقاعد

أما لو اعتمد الجناح السياسي فإن من شان ذلك أن يعزز شيئا فشيئا الطابع المدني للنظام خاصة مع احتمال بروز تنافس داخل الحزب على الدور السياسي قد يكون للمعارضين السابقين مكانة أكبر فيه.

    

د: العلاقة مع المعارضة والحوار: فضل الرئيس ولد غزواني منذ بداية حكمه إقامة علاقة شخصية مع رموز المعارضة من أجل تهدئة الساحة السياسية دون حاجة إلى حوارات مؤسسية لكن يبدو أن تطورات أخرى دفعت به إلى قبول حوار على قاعدة التشاور

وسيكون لشكل هذا الحوار ومضمونه تأثير على تطورات الساحة السياسية، فإذا مال هذا الحوار إلى طرح قضايا الوحدة الوطنية فستنتج عنه حركية كبيرة في هذه الساحة، أما إذا اقتصر على القضايا السياسية الخاصة فإن تأثيره يعتمد على حجم التغيير الذي سيحدثه على المنظومة القانونية الحاكمة للعمل السياسي

 

هـ: استخراج الغاز وتأثيره على قدرة النظام على بناء شرعية إنجاز: تأثرت جهود الشركات العاملة في استخراج الغاز بجائحة كورونا بشكل كبير، وجاء ذلك في ظرف كان النظام يتوقع فيه بدء استغلال الغاز لاستثماره سياسيا في بناء شرعية إنجاز تعطيه هامشا من المناورة في عدد من القضايا السياسية.

وفي ظل ما بات معروفا من تأخر استخراج الغاز على الأقل حتى العام 2023 وما قيل عن سعي شركة بي بي لبيع بعض حصتها في ضوء تراجع تقديراتها للأرباح فمن الواضح أن ذلك سينتج عنه مصاعب اقتصادية واجتماعية للنظام، وعادة ما تؤدي هذه المصاعب إلى دفع الأنظمة في الفترات الانتقالية إلى مزيد من الانفتاح السياسي خاصة الأنظمة التي يقودها رؤساء أقل عنفا كما هو حال الرئيس غزواني.

 

و: الانتخابات البرلمانية المقبلة: يحل موعد الانتخابات البرلمانية في نهاية 2023، ليكون استحقاقا قويا يواجهه النظام بالإضافة للملفات السابقة، وينتظر أن تكون تحديا للنظام في قدرته على ضبط ساحته الداخلية والحيلولة دون بروز مغاضبات تضعف قدرته على التماسك، خاصة في ظل المحاكمات التي تجري حاليا لعدد من الرموز الاجتماعيين من وزراء ورجال أعمال وأطر سواء في ملف العشرية أو ملفات البنك المركزي، إذ لا يستبعد أن تسبب المعاملة التي تلقوها متابعة أو سجنا أو تفليسا في غضب حاضناتهم الاجتماعية على النظام

كما سيكون تحديا للمعارضة في كسب مكانة في البرلمان سواء بالمحافظة على شعبيتها أو بالاستفادة من شعبية النظام المغاضبة، وبوجه أخص سيكون تحديا للمعارضة ذات الخلفية الحقوقية في تحويل شعبيتها الرئاسية إلى شعبية برلمانية

وسيكون لنتائج هذه الانتخابات دور كبير في رسم المشهد السياسي ومستقبل قوة كل من النظام والمعارضة ولاسيما إن جرت وفق شروط قانونية وسياسية أفضل وهو أمر يحتمل أن يكون من نتائج الحوار المرتقب.

ثالثا: ملامح المستقبل

انطلاقا مما سبق نرى أن ثمت ملامح سترسم المشهد السياسي خلال الفترة المقبلة المحددة في نحو خمس سنوات

  1. سيستغرق بناء النظام غالبية هذه الفترة وسينشأ عن ذلك تنافس قوي بين منظوماته وأشخاصه لاحتلال الدور الريادي؛ تنافس بين المؤسسة العسكرية والواجهات المدنية، وتنافس بين الأشخاص على احتلال موقع الشخص الثاني والخليفة المحتمل ولا يستبعد أن يؤدي هذا التنافس إلى إبعاد غير لبق لبعض المتنافسين

 

  1. يتوقع أن تبرز قضية التنافس الجهوي بين الشمال والشرق بقوة، بسبب قوة الدوافع الموضوعية لذلك، مثل انتقال السلطة السياسية إلى الشرق وتطلع الطبقة المتوسطة من رجال الأعمال التي برزت فيه بحجم كبير نسبيا إلى الحضور في نادي كبار رجال الأعمال، فضلا عن ما يمكن أن تثيره متابعة الرئيس السابق وبعض أقاربه من حمية جهوية، كل هذه العوامل ستصعب التوصل إلى إدارة متوافق عليها لهذا التنافس مما يرشح هذه القضية أن تكون ذات تأثير قوي في مستقبل البلد.

 

  1.  سيزداد الانكماش السياسي لمكونة الزنوج على نفسها في ظل ما يتوقع من عدم تحمس السلطة للاستجابة لمطالبها الكبيرة، ومن شأن هذا الانكماش أن يفتح الباب للتساؤل عن النتيجة التي قد يقود إليها، ما بين الرضا بالواقع، أو السعي لتغييره بطرق غير سياسية.

 

  1. بالمقابل يتوقع أن يزداد التأثير السياسي للحراطين سواء تم ذلك بعمل أطراف على دمجهم في مشروعها (السلطة، الإسلاميين) أو من خلال الأطر السياسية والحقوقية الخاصة بهم.

 

  1. يتوقع أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن كوفيد إلى زيادة الاحتجاج الاجتماعي مما قد ينعكس في حرص السلطة على تهدئة الجبهة السياسية

 

  1. لا يستبعد أن يؤدي الفراغ الذي تركه تآكل المعارضة التقليدية إلى بروز شخصيات معارضة ذات خطاب شعبوي يركز على محاربة الفساد وتحقيق المطالب الشعبية ونقد الطبقة الحاكمة (قد يكون النائبين ولد سيدي مولود ومحمد بوي حالة جنينية لذلك)