ورقة تحليلية حول "الدولة والسلطة السياسية بموريتانيا"
لم تعد الدولة في العالم الثالث - بشكل مطلق - رهينةً للحظات الولادة الأولى كما أن الظرفية الجيوسياسية المضطربة - جعلت مختلف الشعارات التي رافقت تأسيس الدولة الموريتانية - والتي بُنيت عليها اللحظات الكبرى من مسارات تاريخها - بحاجة إلى إعادة تحيين، وهو ما يجعل من الضروري أن نعيد التفكير في المسار السياسي بما فيه من علات وعلى ما ازدحم فيه من لحظات صعبة، مازجت بين إكراهات الضغط والارتهان للواقع، وهو أمر شكل جزء من جلّ اللحظات التي مرت على عمر الدولة الموريتانية، إذا سلمنا جدلا أن عامل الضغط الخارجي ورعاية المصالح الأجنبية على حساب المصالح الوطنية كانت حاضرة بقوة في مختلف تلك اللحظات أيضا.
وفوق ذلك فإن الوجه السياسي ممثلا في طبيعة الحكم وتفاعل النخبة ذاتها مع الشأن العام في موريتانيا، بات يُشكل معضلة كبيرة يصعب فهمها على الأقل ضمن السياقات التنظيمية التي تؤطر التفاعل السياسي ماديا في الدولة، فلم تعد الدولة ذلك المشروع المٌنشأ سنة 1960 بهدف حفظ المصالح الاستعمارية[1] بل باتت كيانا يتفاعل معه المجتمع المحلي تحت ضغط الطمع والخوف، وشكل كذلك بديلا سياسيا ورافدا اقتصاديا له بعد انتفاء الثروة الحيوانية جراء سنوات الجفاف في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، حتى أصبحت نسبة سكان الحضر تمثل الآن ما يزيد على 52% من سكان موريتانيا، ومن المفترض أن يكون الأمر الذي جعل القرب من السُّلطة وتهميش الثروة المحلية بمثابة إعلان انحلال من القيم البدوية، والاستدماج في ما تعنيه القيم الحضرية وما تأسست عليه الدولة وما باتت عليه خلال فترات الحكم المختلفة[2] إلا أن ثمة حلقة مفقودة لا زالت تُحير المتابع للشأن العام، خصوصا بعد رفع جميع الشعارات الحداثية.
وهو ما يدعو حسب المنطق الذي نؤسس عليه هذا المنحى أن نستثمر في محاولة فهم الذات الاجتماعية ضمن سياقات سياسية مختلفة، فليست الوحدة السياسية القبلية ولا الأميرية على ما تستدمج من حساسيات، مثل الدولة، ذلك الجهاز الحداثي الذي نشأ بعد المستعمر، صحيح لقد حاولت فرنسا
توطين الممارسة الإدارية في المجتمع[3] من خلال علمية تحديث تعترف بالخصوصية الاجتماعية للمجتمع المحلي، لكن شعار التحديث الذي رفعته الدولة، وما استثمرت فيه من أفكار وما لقيت أمامها من نُخب اصطدمت كلها بجدار الواقع الاجتماعي، حتى أصبحت التنافرات والتضاربات تؤسس الواقع السياسي في الدولة الحديثة خلال مختلف مراحل الحكم فيها، مما جعل تلك القوة الخفية تظهر في الواقع متخفية وراء الشعارات الحداثية وتحكم نفسها بنفسها فيه.
لا يمثل هذا المسعى رفضا للحداثة وما فيها من شعارات كانت النخبة الأولى أو الجيل الأول ينوي أن يؤسس الدولة ويكيف المجتمع معها من خلال إجراءات عدة، ولا هو كذلك تثمين لتلك القوة أو استسلاما لها، بقدر ما هو مسعى من أجل فهم الذات الاجتماعية بتجرد والتفكير فيها، بطريقة قد تمكن من بناء استراتيجيات سياسية تتصالح مع المخيال الاجتماعي بدل التصادم معه، تعترف به بدل إنكاره، وهو المُتحقق الخفي، وهي كذلك مقاربة ونقد منفتح يمارس حفرا أركيولوجيا، ويُفكر في الواقع علائقيا وتراتبيا من مدخل القراءة المتأنية للرمزيات التي تسائل الفائت للفهم وتفهم الراهن، لهذا فهو نقد مؤسس لأنه يؤسس معطياته على القراءة الواعية للنصوص والتحري الميداني للواقع، تمهيدا للتفكير المتعدد في بناءات الظواهر، فالنقد المؤسس هو إمكان منهج وأسلوب مقاربة واستراتيجية اشتغال وانشغال، يميل إلى التعدد المنهجي والفعل القرائي والتحري الميداني، ويرتكن أساسا إلى نمط التفكير العلائقي، وبذلك يتأسس النقد المنفتح في اشتغاله على النصوص المجتمعية في تناصها وتراكمها وعلائقيتها ونسقيتها، على ثلاث عتبات هي: النقد التأسيسي، والفهم التأويلي، والنحت المعرفي[4].
وعلى ذلك الأساس فإن تطبيق المنحى النظري لفهم الذات السياسية للمجتمع الموريتاني سيحمل في طياته نحتا معرفيا يأخذ من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس السياسي، سبيلا لتوطين النظرية في الواقع الاجتماعي، وليس النص حسب هذا الفهم هو المحتوى المكتوب، بل الواقع الاجتماعي والسياسي؛ نص يستحق الفهم والتأويل، كما تستحق الذات بمعناها الاجتماعي ذلك، ومن هنا يتبين أن إشكاليتنا إشكالية واقعية تأخذ من اضطراب الواقع موضوعا وأفقا للتفكير.
فإلى أي حد يمكن القول أن الممارسة السياسية والسلطوية في موريتانيا على ما تحمل من تطبيقات قانونية وغير قانونية منسجمة مع الواقع الاجتماعي للمجتمع؟
لتحميل الورقة التحليلية حول الموضوع، اضغط هنا




